السيد محمد تقي المدرسي
19
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
الثاني : فمن عرف حِكمَ الأمن والحرية والعدالة ، فإذا أضرّ عملٌ بأمن الناس ، أو سَلَبَهُمْ حريتهم أو كان فيه ظلمٌظاهرٌ أو خفيّ فإنه يصبح حراماً كما أنه لو توقف تحقيق هذه الحِكم على عمل معين أضحى واجباً . وبالرغم من أن الشريعة قد أوضحت الأحكام الفرعية التي تحقِّق هذه الحِكَم بصورةٍ كافيةٍ ، إلا أن تلك الأحكامالفرعية تتصل بالثوابت ، وهي بحاجة إلى الاستنباط . الشرع يكمل العقل أليس أصل الإنسان عقله ، أَوَلَسْنا نهتدي إلى آيات ربنا بنور العقل ، ونعرف رسله ورسالاته به ، فلماذا الوحي ؟ وما هي ضرورته ؟ لقد أودع اللَّه في البشر نور العقل ولكنَّ الإنسان غفل عنه وخاض في غمرات الشهوة والغضب ، وضلّ عن ربِّهضلالًا بعيداً . لذلك لم يؤدِّ إلى ربّه ميثاقه ، ولم ينتفع بفطرته التي فطره اللَّه عليها ، ولم يهتد بضياء عقله في دروب الحياةالحالكة . . ألست ترى في العالم هذا الظلم الفاحش والجهل المطبق والضلال المبين ؟ مَنْ منّا لا يعترف أنّ نسبة الجهلوالجهالة والضلالة والغواية في البشرية تفوق نسبة العلم والحكمة ؟ إن جذر ضلالة الإنسان وغوايته ، يكون بثلاثة عوامل : 1 - غفلته عن عقله ، أو سبات عقله ، وعلاجُه إيقاظُ العقل . 2 - غلبة الهوى واتباعه ، وعلاجُه تنمية الإرادة ، وزيادة الإيمان . 3 - الضلال عن سُبُل الانتفاع بالعقل ، وعلاجُهُ التذكرةُ بالمناهج القويمة للتفكر . الأحكام العقلية يستخدم علماء الأصول كلمة ( القطع ) في موضع الحديث عن العلم والمعرفة واليقين ، وهذه الكلمة ذاتإيحاء فلسفيّ باعتبار تواصل علم الأصول والفلسفة في العصور المتأخرة . وهذه الكلمة غريبة عن الأدب القرآني ، ولكنها مناسبة للمنهج الفلسفي القائم على أساس الجدال وإسكات الخصموقطع الحديث وحسمه معه .